محمد هادي معرفة
93
التفسير الأثري الجامع
وينشأ من هذه الحقوق الذاتيّة لبني الإنسان واجب آخر على الجماعة المسلمة ؛ وهو أن تحطّم كلّ قوّة تعترض طريق الدعوة وإبلاغها للناس في حرّيّة ، أو تهدّد حرّيّة اعتناق العقيدة وتفتن الناس عنها ، وأن تظلّ تجاهد حتّى تصبح الفتنة للمؤمنين غير ممكنة ، وأنّ القوّة للّه ، ويكون الدين هو الظاهر الغالب المسيطر . لكن لا بمعنى إكراه الناس على الإيمان ، بل بمعنى استعلاء دين اللّه في الأرض ، بحيث لا يخشى أن يدخل فيه من يريد الدخول ، ولا يخاف قوّة في الأرض تصدّه عن دين اللّه أن يبلغه ، وأن يستجيب له ، وأن يديم عليه . وبحيث لا يكون في الأرض وضع أو نظام ، يحجب نور اللّه وهداه عن أهله ، ويضلّهم عن سبيل اللّه ، بأيّة وسيلة وبأيّة أداة . قال سيّد قطب : وفي حدود هذه المبادئ العامّة كان الجهاد في الإسلام . وكان لهذه الأهداف العليا وحدها ، غير ملتبسة بأيّ هدف آخر ، ولا بأيّ شارة أخرى ! إنّه الجهاد للعقيدة ، لحمايتها من الحصار ، وحمايتها من الفتنة ، وحماية منهجها وشريعتها في الحياة ، وإقرار رايتها في الأرض ، بحيث يرهبها من يهمّ بالاعتداء عليها قبل الاعتداء « 1 » ، وبحيث يلجأ إليها كلّ راغب فيها ، لا يخشى قوّة أخرى في الأرض تتعرّض له أو تمنعه أو تفتنه . وهذا هو الجهاد الوحيد الّذي يأمر به الإسلام ، ويقرّه ويثيب عليه ، ويعتبر الّذين يقتلون فيه شهداء ، والّذين يحتملون أعباءه أولياء « 2 » . * * * ولسيّدنا العلّامة الطباطبائي بيان لطيف عن الجهاد في الإسلام ، وأنّه الدفاع عن حقوق الإنسان الأوّليّة الفطريّة . حيث الإسلام دين التوحيد ودين الفطرة ، ومن ثمّ فإنّه القيّم الكافل لإصلاح الإنسانيّة في جميع ساحات حياتها : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 3 » . فإقامة الدين والحفاظ عليه من أهمّ حقوق الإنسان المشروعة . وينشأ من هذا الحقّ ، حقّ
--> ( 1 ) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ( الأنفال 8 : 60 ) . ( 2 ) في ظلال القرآن ، 1 : 267 - 268 . ( 3 ) الروم 30 : 30 .